بواسطة : محمد عبيد
بتاريخ : 02-08-2015 12:28 PM
المشاهدات : 4868

القانون الجديد بشأن حالات إعفاء رؤساء و أعضاء الأجهزة الرقابية و الهيئات المستقلة من مناصبهم .. عوار دستوري في غير محله و تجاوز سلطات لا طائل منه و لا جدوى .

 

" تلتزم الدولة بمكافحة الفساد، ويحدد القانون الهيئات والأجهزة الرقابية المختصة بذلك.

وتلتزم الهيئات والأجهزة الرقابية المختصة بالتنسيق فيما بينها في مكافحة الفساد، وتعزيز قيم النزاهة والشفافية، ضماناً لحسن أداء الوظيفة العامة والحفاظ على المال العام، ووضع ومتابعة تنفيذ الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد بالمشاركة مع غيرها من الهيئات والأجهزة المعنية، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون."

كان هذا ما إستهلت به المادة 218 من الدستور صريح نصها و ما أفصحت عنه في تسنيد و تفنيد دور الأجهزة الرقابية و الهيئات المستقلة وما لها من سلطة في التوجيه والرقابة على سلوك باقي أجهزة ومؤسسات الدولة بعد أن فصلت دورها إجمالاً في المواد المنصوص عليها في الفرع الثاني من الفصل الحادي عشر من الباب الخامس لدستور 2014 والمسمى بنظام الحكم

و بتاريخ 22 رمضان سنة 1436 ( الموافق 9 يوليو سنة 2015 ) صدر برئاسة الجمهورية القرار  بقانون  رقم 89 - لسنة 2015 بشأن حالات إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم و أصبح بمقتضى القانون الجديد  لرئيس الجمهورية سلطة إعفاء رؤساء و أعضاء الهيئات المستقلة و الأجهزة الرقابية من مناصبهم في أربع حالات يفترض كونها محددة حصراً وهي في حقيقتها لا حصر لها ؛ حيث نص القانون السابق ذكره على تلك الحالات بقوله :

  1. قيام دلائل جدية بشأن المذكورين أعلاه على ما يمس أمن الدولة وسلامتها
  2. فقد الثقة و الإعتبار
  3. الإخلال بواجبات الوظيفة بما من شأنه الإضرار بالمصالح العليا للبلاد أو أحد الأشخاص الاعتبارية العامة
  4. فقد أحد شروط الصلاحية للمنصب لغير الأسباب الصحية

 

وبعد صدور القانون المذكور ثار جدلا واسعاً في الرأي العام و تعالت العديد من الأصوات المستهجنة له و إعتباره إفتئاتاً لا مبرر له من رئيس الجمهورية على إستقلال و حيادية تلك الهيئات المذكورة و تقليص لسلطة الأجهزة الرقابية و إهداراً لدورها الفعلي في الرقابة على أجهزة الدولة

وتثور هنا العديد من التساؤلات البديهية تحتاج إلى إجابات معلقة في أذهان الكثيرين :

1- ما المقصود بالأجهزة الرقابية و الهيئات المستقلة و ما هو دورها ؟

2- هل تعد الحالات المذكورة في القانون السابق ذكره بتلك الصياغة المرنة المطاطة مسوغاً لإعفاء شخص من منصبه ؟

3- هل يجوز لرئيس الجمهورية دستورياً إصدار مثل هذا القانون ؟ وماذا لو علمنا أن هذا القانون غير دستوري لا شكلاً و لا مضموناً ؟

4- هل يجوز أصلاً تطبيق هذا القانون على الأجهزة المذكورة خاصة إذا علمنا أن هذا القانون عام لا يهدر بأي حال من الأحوال القوانين الخاصة بالأجهزة الرقابية و الهيئات المستقلة  إعمالاً لقاعدة الخاص يقيد العام ؟        

 

سنتناول تلك التساؤلات المشروعة و الإجابة عليها واحداً تلو الآخر على النحو التالي ؛

أولا : فيما يخص ماهية الأجهزة الرقابية و الهيئات المستقلة ودورها ؛ نص دستور 2014 - في الفرع الثاني من الفصل الحادي عشر من الباب الخامس المسمى بنظام الحكم – على تنظيم دور الأجهزة الرقابية و الهيئات المستقلة ومجال عملها حيث ذكر في المادة 215 منه على تحديد القانون للهيئات المستقلة و الأجهزة الرقابية و تمتعها بالشخصية الاعتبارية و الاستقلال الفني المالي و الإداري ، و ذكر من تلك الهيئات و الأجهزة مثالاً و ليس حصراً ؛ البنك المركزي والهيئة العامة للرقابة المالية، والجهاز المركزي للمحاسبات، وهيئة الرقابة الإدارية.

وعن تشكيل الهيئات المستقلة و الأجهزة الرقابية أوجبت المادة 216 من الدستور إصدار قانون بتشكيل كل هيئة مستقلة أو جهاز رقابي يحدد اختصاصاتها، ونظام عملها، وضمانات استقلالها، والحماية اللازمة لأعضائها، وسائر أوضاعهم الوظيفية، بما يكفل لهم الحياد والاستقلال

وجعل النص الدستوري السابق ذكره لرئيس الجمهورية سلطة تعيين رؤساء تلك الهيئات والأجهزة بعد موافقة مجلس النواب بأغلبية أعضائه لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة، و حظر إعفاء أي منهم من منصبه إلا في الحالات المحددة بالقانون

أما عن دور و آلية عمل الهيئات و الأجهزة المذكورة نص الدستور في المادة 217 منه على تقديم الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية، تقارير سنوية إلى كل من رئيس الجمهورية، ومجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، فور صدورها.

وأوجب النص الدستوري محل النظر على مجلس النواب أن ينظر هذه التقارير، وأن يتخذ الإجراء المناسب حيالها في مدة لا تجاوز أربعة أشهر من تاريخ ورودها إليه، وأن تنشر هذه التقارير على الرأي العام.

كما أوجب عليها إبلاغ سلطات التحقيق المختصة بما تكتشفه من دلائل على ارتكاب مخالفات، أو جرائم،و إتخاذ اللازم حيال تلك التقارير خلال مدة محددة

 

ثانياً :  عن الألفاظ المطاطة التي تمت بها صياغة القانون محل النظر و كونها مرنة التفسير وفق الأهواء و الإعتبارات المتغايرة لذوي السلطة كلفظ " دلائل جدية " ، " يمس أمن الدولة و سلامتها " ، " الإضرار بالمصالح العليا للبلاد " و كلها ألفاظ لا معيارية و غير محددة و يمكن إتخاذها ذريعة لتقييد سلطة الأجهزة الرقابية و تحجيم دورها و الإخلال بالحياد و الإستقلال المفترض فيها و جعليها مطية ليس فقط لرئيس الجمهورية و إنما لأصغر فرد أمني في الأجهزة الأمنية التي ستكون مخولة سلطة تحديد ما يمس أمن الدولة العليا و ما لا يمس وفقاً  لتقارير لا ضابط لها و لا معيار

 

ثالثاً : عن جواز إصدار مثل هذا القانون دستورياً و مدى دستوريته شكلاً و مضموناً فلنا أن نعلم أنه غير دستوري لا من حيث الشكل و لا من حيث المضمون؛ فنجد القانون محل النظر مشوب بالعديد من العيوب و المخالفات الدستورية الشكلية و الموضوعية التي قد تجعله عرضة للطعن عليه بعدم الدستورية من قبل ذوي الشأن ، بدءاً من إفتقاده للمعايير الشكلية التي تكفل دستورية إجراءات صدوره إلي إفتقاره للمعايير الموضوعية التي تحكم دستورية مضمونه ؛ 

 

فمن من حيث الشكل نجد القانون محل النظر قد إفتقد لشرطين من الشروط الدستورية الإجرائية التي كان يجب مراعاتها حال إصداره ؛

*الشرط الأول هو عدم توافر حالة الضرورة القصوى التي تبيح لرئيس الجمهورية إصدار قرارات بقوانين في غيبة مجلس الشعب وفقاً لنص المادة 156 من دستور 2014

* الشرط الثاني من الشروط الإجرائية التي لم يراعيها المشرع في إصداره لهذا القانون نص المادة 215 من الدستور التي أوجبت على السلطة التشريعية أخذ رأي الهيئات و الأجهزة المذكورة في مشروعات القوانين و اللوائح المتعلقة بمجال عملها و هو ما لم يحدث بالنسبة للقانون محل النظر بما يوصمه بعيب اللادستورية شكلاً لعدم إستيفاء الشروط الإجرائية و الشكلية المشترطة لإصداره

ومن المخالفات الدستورية الشكلية إلى المخالفات الموضوعية نجد منها مثالاً و ليس حصراً ؛ الإخلال بمبدأ الفصل بين السلطات و التوازن بينها  الذي نص عليه دستور 2014 في المادة الخامسة منه إذ كيف يتصور أن تقوم الأجهزة الرقابية بدورها المنوط بها إذا كان رؤساءها و أعضاءها عرضة للإعفاء من مناصبهم في أي وقت وفق حالات لا معيار لها كتلك الحالات المنصوص عليها في القانون محل النظر

كذا المخالفة الصريحة للنصوص الدستورية المنظمة لعمل الهيئات المستقلة و الأجهزة الرقابية و التي تؤكد على وجوب تمتعها بالحيادية و الإستقلال و هو ما يتنافى مع مضمون القانون محل النظر وفقاً لصياغته المطاطة التي ستجعل رؤساء و أعضاء الهيئات الرقابية عرضة لقيود ليست فقط في يد رئيس الجمهورية و إنما أيضاً لتقارير و تدخلات الأجهزة الأمنية التي ستكون منوطة بتحديد معايير المساس بأمن الدولة من عدمه أو مقاييس الإخلال بواجبات الوظيفة و الإضرار بمصالح الدولة العليا 

 

رابعاً : عن جدوى إصدار مثل هذا القانون وجواز تطبيقه على الأجهزة المذكورة خاصة إذا علمنا أن هذا القانون عام لا يهدر بأي حال من الأحوال القوانين الخاصة بالأجهزة الرقابية و الهيئات المستقلة إعمالاً لقاعدة " الخاص يقيد العام " حيث نجد مثلاً في المادة 20 من القانون الخاص المنظم للجهاز المركزي للمحاسبات النص على عدم جواز إعفاء رئيس الجهاز من منصبه و بالتالي فإن القانون الجديد بإعتباره قانون عام لن يسري أثره بالمخالفة للقانون الخاص المتعارض معه و هو ما ينطبق على العديد من القوانين الخاصة المنظمة للأجهزة الرقابية و الهيئات المستقلة و لو كان مقصد رئيس الجمهورية وما يرمي إليه هو الإنفراد بسلطة إعفاء رؤساء و أعضاء الأجهزة الرقابية كما يتضح من القانون الصادر مؤخراً  فقد كان الأولى به تعديل القوانين الخاصة المنظمة لكل جهاز رقابي أو هيئة مستقلة عوضاً عن إصدار قانون جديد لا جدوى من تطبيقه بغض النظر عن مدى دستورية هذا الفعل من عدمه .

نحن حقاً في أمس الحاجة  إلى دولة مؤسسات لا دولة فرد و إلى أجهزة مستقلة نزيهة تحارب الفساد و تدحر فلوله لا أن نجعلها مؤسسات روتينية فارغة المضمون و الجدوى خاضعة لكل ذي سلطان.

 

 

لا يمكنك الرد على الموضوع إلا بعد تسجيل دخولك أولا