بواسطة : احمد عادل
بتاريخ : 26-03-2015 12:41 PM
المشاهدات : 17224

أيهما أفضل الرقابة السابقة أم الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين؟!

 

هناك دول أخذت بالرقابة السابقة على دستورية القوانين و أخرى اتجهت اتجاه الرقابة اللاحقة، و من الدول التي أخذت بالرقابة السابقة فرنسا و المملكة المغربية، على جانب آخر أخذت دول مثل مصر بالرقابة اللاحقة.

فما هو المقصود بكلا الرقابتين؟ و ما هي مميزات و عيوب كل منهما؟ و ما هي الآلية القانونية التي تضمنتها نصوص الدستور و القوانين في تلك الدول التي أخذت بنوعي الرقابة؟

تلك هي الأسئلة التي ستجيب عليها السطور القليلة القادمة...

 

أولا: المقصود بنوعي الرقابة:

و الرقابة السابقة: هي رقابة تهدف إلى اتقاء أي مخالفة للدستور عند إصدار القوانين والتشريعات ذاتها لأنها تكون قبل اصدار القانون أو التشريع - وتنظم الدساتير تشكيل هيئة ذات صفة سياسية تمنحها هذا الاختصاص, ويختلف تشكيل هذه الهيئة تبعا للكيفية التي ينظم بها الدستور هذا النوع من الرقابة فقد يتم ذلك بطريق التعيين لأعضائها من البرلمان أو من جانب السلطة التنفيذية أو بطريق الانتخاب المباشر من القاعدة الشعبية.

أما الرقابة اللاحقة: هي رقابة تقوم على مراقبة النشاط التشريعي عن طريق إلغاء القوانين والتشريعات المخالفة للدستور بعد صدور هذه القوانين والتشريعات وفي الغالب ما تخصص في هذا النوع من الرقابة هيئة قضائية مستقلة.

 

ثانيا: مميزات و عيوب نوعي الرقابة:

**بالنسبة للمميزات:

 - فالرقابة السابقة تعد حماية للقوانين من المخالفات الدستورية قبل الخوض في تطبيقها و ترتيب نتائج قانونية على إثرها.

- أما الرقابة اللاحقة تعد معالجة للقوانين التي أصابها عوارا دستوريا لكي تصبح صحيحة و متماشية لما تحكم به نصوص الدستور.

 

**بالنسبة للعيوب:

- في الرقابة السابقة:

 الهيئات السياسية التي تمنح اختصاصا في الرقابة على دستورية القوانين تخضع للنزوات السياسية وتتأثر بالقوى السياسية السائدة في دولها - فما يعين من هذه الهيئات من جانب البرلمان يجعلها تابعة له ويفقد هيئة الرقابة على الدستورية سبب وجودها وهو الرقابة على نشاطه
كذلك فإن ما يعين من هذه الهيئات بواسطة السلطة التنفيذية يصبح تابعا لهذه السلطة ويلتزم بإرادتها ويجعل هذه الهيئة سببا للصدام بين السلطتين التنفيذية والتشريعية أما الهيئات التي تنتخب انتخابا مباشرا من الشعب فإنها تفقد ما يلزم من الدراية والتخصص في القانون الدستوري من جهة وتحكمها الهيئات والنزوات السياسية الحزبية
ولو سيطرت على الهيئة المتولية الرقابة على الدستورية اتجاهات سياسية ومناوئة للنظام السياسي في البلاد, فإذا شكلت الهيئة المذكورة من بين أعضاء جهاز سياسي تحولت إلى هيئة أرستقراطية مستقلة بذاتها ومناوئة للسلطات والأجهزة الأخرى بالدولة

 

- في الرقابة اللاحقة:

  • إن الهيئة المختصة بالرقابة على دستورية القوانين قد تعتدي على المشرع وتتدخل في أعماله على خلاف ما يقضي به مبدأ الفصل بين السلطات الذي يقرره الدستور ذاته ويرد على ذلك بأن الرقابة على دستورية القوانين وما قد تصل إليه الهيئة المنوط بها الرقابة من إلغاء للتشريعات غير الدستورية يمكن اعتباره نوعا من التوزيع الدستوري للوظيفة التشريعية بين البرلمان والهيئة المنوط بها الفصل في دستورية القوانين وذلك تأسيسا على أن إلغاء التشريع غير الدستوري هو في حقيقة الأمر مهمة تشريعية وعمل تشريعي تختص به السلطة التشريعية في الأساس حيث يترتب على هذا الإلغاء وضع قاعدة تشريعية جديدة عكس القاعدة التشريعية غير الدستورية الملغاة
  • إن الهيئة التي تخول الاختصاص بالرقابة على دستورية القوانين تكون في النهاية صاحبة الحق في تقرير السياسة التشريعية في ضوء تفسيرها لنصوص الدستور وهي بذلك تباشر الحكم على اتجاهات المشرع بشأن السياسات العامة التي يعبر عنها بالقوانين من خلال هذا التفسير للدستور مما قد ينتهي إلى أن تكون الهيئة التي تتولى الرقابة على دستورية القوانين هي الهيئة العليا للدولة ويعلو مركزها على حساب السلطات الأخرى وبصفة خاصة السلطات التشريعية المنتخبة ديمقراطيا والتي تمثل الأمة ويجعل الاعتبارات القانونية الفنية تحل في الصدارة محل الاعتبارات السياسية والعملية المحققة للصالح العام للأمة

 

 

ثالثا: أمثلة تطبيقية لنوعي الرقابة:

**الرقابة السابقة:

و كما ذكرت توجد بعض الدول التي تطبق فكرة الرقابة السابقة و منها فرنسا و المغرب، و سأوضح آلية      العمل بتلك الرقابة من خلال نصوص الدستور في كلا الدولتين:

أولا: الدستور الفرنسي 1958:

  • يعرض علي المجلس الدستوري؛ القوانين العضوية أو الأساسية قبل إصدارها, و إقتراحات القوانين المشار اليها في المادة 11 من ذلك الدستور  و هي  (أي مشروع قانون يتضمن تنظيم السلطات العامة أو الإصلاحات المتصلة بالسياسة الاقتصادية أو الاجتماعية للأمة وبالمرافق العامة المساهمة بها، أو يجيز التصديق على معاهدة ستؤثر على سير عمل المؤسسات) و ذلك  قبل عرضها علي الإستفتاء الشعبي، و كذلك يجب أن تعرض عليه أنظمة مجلسي البرلمان قبل دخولها حيز النفاذ, و ذلك لكي يفصل في مدي مطابقتها للدستور. (المادة 61)
  • يبت المجلس الدستوري في الحالات المبينة سابقا في غضون شهر، غير أن هذا الأجل قد يقلص إلي ثمانية أيام , في حالة الإستعجال, بطلب من الحكومة (المادة 61)
     

ثانيا: الدستور المغربي 2011:

  • تحال إلى المحكمة الدستورية القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، والأنظمة الداخلية لكل من مجلس النواب ومجلس المستشارين قبل الشروع في تطبيقها لتبت في مطابقتها للدستور
     ويمكن للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة، و رئيس مجلس النواب، و رئيس مجلس المستشارين، و خُمس أعضاء مجلس النواب، و أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلوا القوانين أو الاتفاقيات الدولية، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، أو قبل المصادقة عليها, إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور (المادة 132)
  • تبت المحكمة الدستورية في الحالات المشار إليها في أجل شهر من تاريخ الإحالة. غير أن هذا الأجل يُخفض في حالة الاستعجال إلى ثمانية أيام، بطلب من الحكومة(المادة 132)
  • تبت المحكمة الدستورية في الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان، داخل أجل سنة، ابتداء من تاريخ انقضاء أجل تقديم الطعون إليها. غير أن للمحكمة تجاوز هذا الأجل بموجب قرار معلل، إذا استوجب ذلك عدد الطعون المرفوعة إليها، أو استلزم ذلك الطعن المقدم إليها.(المادة 132)

 

**الرقابة اللاحقة:

على جانب آخر هناك دول تطبق فكرة الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين و منها مصر، و سأوضح آلية العمل بتلك الرقابة من خلال نصوص دستور مصر لعام 2014 و الآلية الإجرائية له من خلال قانون المحكمة الدستورية العليا، و ذلك كالآتي:

  • تختص المحكمة الدستورية العليا دون غيرها بما يأتي
    - أولا: الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح.  (رقابة لاحقة)
    - ثانيا: الفصل في تنازع الاختصاص بتعيين الجهة المختصة من بين جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي، وذلك إذا رفعت الدعوى عن موضوع واحد أمام جهتين منها ولم تتخل أحدهما عن نظرها أو تخلت كلتاهما عنها
    - ثالثا: الفصل في النزاع الذي يقوم بشأن تنفيذ حكمين نهائيين متناقضين صادر أحدهما من أية جهة من جهات القضاء أو هيئة ذات اختصاص قضائي والآخر من جهة أخرى منها.

- رابعا: تتولى المحكمة الدستورية العليا تفسير نصوص القوانين الصادرة من السلطة التشريعية والقرارات بقوانين الصادرة من رئيس الجمهورية وفقا لأحكام الدستور وذلك إذا أثارت خلافا في التطبيق وكان لها من الأهمية ما يقتضي توحيد تفسيرها.

- خامسا: يجوز للمحكمة في جميع الحالات أن تقضي بعدم دستورية أي نص في قانون أو لائحة يعرض لها بمناسبة ممارسة اختصاصاتها ويتصل بالنزاع المطروح عليها وذلك بعد إتباع الإجراءات المقررة لتحضير الدعاوى الدستورية.

- سادسا: الفصل في كافة المنازعات المتعلقة بتنفيذ الاحكام و القرارات الصادرة منها.

  • طرق الرقابة على دستورية القوانين و اللوائح( طرق الطعن بعدم الدستورية):
    (1) إذا تراءى لأحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي أثناء نظر إحدى الدعاوى عدم دستورية نص في قانون أو لائحة لازم للفصل في النزاع، أوقفت الدعوى وأحالت الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في المسألة الدستورية
    (2) إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدي أجلت نظر الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعادا لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد اعتبر الدفع كأن لم يكن.

 

 

و قد ناقشت المحكمة الدستورية العليا في العديد من أحكامها مسألة الرقابة على دستورية القوانين و التشريعات،، و منها:

- "إن الدستور قد عهد بنص المادة 175 ـ إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها بتولى الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين فى القانون وكان المشرع وبناء على هذا التفويض ـ قد أصدر قانون المحكمة الدستورية العليا ، مبيناً اختصاصاتها ، محدداً ما يدخل فى ولايتها حصراً مستعبداً من مهامها ما لا يندرج تحتها فخولها اختصاصاً منفرداً بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح مانعاً أى جهة من مزاحمتها فى ذلك مفصلاً طرائق هذه الرقابة وكيفيتها ومؤكداً أن اختصاص المحكمة الدستورية العليا ـ فى مجال مباشرتها الرقابة القضائية على الدستورية ـ ينحصر فى النصوص التشريعية أيا كان موضعها أو نطاق تطبيقها أو الجهة التى أقرتها أو أصدرتها ، متى كان ذلك فإن محل الرقابة القضائية على الدستورية إنما يتمثل فى القانون بمعناه الموضوعى الأعم محدداً على ضوء النصوص التشريعية التى تتولد عنها مراكز قانونية عامة مجردة سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التى تقرها السلطة التشريعية أم تضمنتها التشريعات الفرعية التى تصدرها السلطة التنفيذية فى حدود صلاحيتها التى ناطها الدستور بها . وذلك أن ما يميز نصوص هذه التشريعات جميعها أن تطبيقاتها متزامنة ودائرة المخاطبين بها غير متناهية والآثار المترتبة على إبطالها ـ إذا أهدرتها المحكمة الدستورية العليا ـ بعيدة فى مداها وتدق دائماً ضوابط الرقابة على مشروعيتها الدستورية وتقارنها محاذير واضحة وكان لازماً بالتالى أن يؤول أمر الرقابة القضائية فى شأنها إلى محكمة واحدة بيدها دون غيرها زمام إعمالها كى تصوغ بنفسها معاييرها ومناهجها وتوازن من خلالها بين المصالح المثارة على اختلافها وتتولى وحدها بناء الوحدة العضوية لأحكام الدستور بما يكفل تجانسها وتكاملها ويحول دون تفرق وجهات النظر من حولها وتباين مداخل وصور الاجتهاد فيها وهو ما نحاه قانون المحكمة الدستورية العليا ."

جمهورية مصر العربية | المحكمة الدستورية العليا | الطعن رقم : 62 لسنة : 17 قضائية بتاريخ : 4-5-1996

 

- "إن الرقابة على الشرعية الدستورية ـ وعلى ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا ـ تتناول ـ بين ما اشتمل عليه ـ الحقوق التى كفلها الدستور ، وأهدرها النص المطعون فيه ضمناً ؛ سواء كان الاخلال بها مقصوداً ابتداءً أم كان قد وقع عرضاً ."

جمهورية مصر العربية | المحكمة الدستورية العليا | الطعن رقم : 5 لسنة : 8 قضائية بتاريخ : 6-1-1996

 

يتضح مما سبق أن لكل من الرقابتين السابقة و اللاحقة مجال عمل و ألية إجرائية مختلفة عن الاخر، و لكل منهم مميزات و عيوب تتصل بتوجهات الدولة، فالأمر يختلف فيما تتبعه الدولة في سياستها القانونية بشأن دستورية القوانين..

فإختلاف الدول في هذا الشأن ينصرف أصلا إلى تفضيل نوع معين من الرقابة على الأخرى من حيث مدى المميزات التي سوف يضفيها أي من النظامين على الحالة الدستورية للبلاد، و مدى تناسب الرقابة مع طبيعة الدولة و سياساتها و توجهاتها القانونية.

 

و أخيرا:

- أي الطريقين أفضل في الرقابة على دستورية القوانين و التشريعات و لماذا؟؟

- ان كنت من مؤيدي الرقابة السابقة على دستورية القوانين، كيف ترى الآلية التطبيقية لها في مصر و غيرها من الدول العربية التي لا تأخذ بها؟

- في مصر، هل ترى أنه من الفعال أن يتم تطبيق تلك الرقابة السابقة على القرارات الصادرة بقوانين من رئيس الجمهورية – في ظل غيبة مجلس الشعب – أم لا؟ و كيف ترى آليتها القانونية و الإجرائية؟

لا يمكنك الرد على الموضوع إلا بعد تسجيل دخولك أولا

الردود