بواسطة : eastlawsacademy5
بتاريخ : 25-06-2015 01:11 PM
المشاهدات : 10111

وثيقة أكاديمية قوانين الشرق بشأن جريمة الإفطار الجهري في نهار رمضان !

 

لعل الأمر يعد غريباً على مسامع البعض و ربما تكون المرة الأولى التي نسمع فيها عن عقوبات مشرعة قانوناً على من يفطر في نهار رمضان  .. وقد يثور لوهلة تصور حدوث ذلك في دولة كالمملكة العربية السعودية  و التي تلاحق فيها هيئة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر المفطرين في نهار رمضان و تطبق عليهم العقوبة التي تتراوح بين السجن والجلد أو الطرد في بعض الأحيان حال كون الفاعل أجنبياً .

 

و قد يتصور وجود مثل هذا التشريع في دولة تحكمها الجماعات الدينية المتشددة كمثل ما يسمى حاليا بالدولة الإسلامية  أو دولة الخلافة أو داعش و غيرها من المسميات للمسوخ التي خرجت علينا من كل حدب وصوب كالخشاش يخرج من شقوق الأرض و جحورها و كلها تنظيمات تستولد الإرهاب سفاحاً و تلقي نسبه على الإسلام و هو براء منها .. و كلها مسميات و فرق ما أنزل الله بها من سلطان و ما عرف الإسلام له ولداً  ولا ولي و لا وصاية لهم عليه ولا خلافة .

 

و لكن ماذا لو علمنا أن مثل هذا التشريع موجود في عدة دول عربية تنتهج في تشريعاتها النهج الوضعي للتشريعات بل و منها ما يقترب نظامها العام من النظم العلمانية  وهو ما يدفعنا للتساؤل كيف تفرض عقوبة على علاقة خاصة بين العبد وربه ليس لأحد الولوج إليها أو التدخل فيها ؟

 

مهلاً .. الأمر يحتاج إلى التروي و التفهم الذي قد يقتنع به البعض و يستهجنه البعض الآخر ؛ فهل الجريمة هنا هي الإفطار فيعاقب المفطر على عدم إلتزامه بشعائر دينه وعلى علاقته بربه ؟

 

أم ان الجريمة هي المجاهرة بالإفطار و عدم الاستتار أمام الناس و الذي قد ينطوي على إستهتار متعمد بمشاعر الصائمين و تأجيج مشاقهم و ازدراء شعائرهم و السخرية من معتقداتهم  ؟

 

و هل الجريمة هنا تنحصر على المسلمين فقط أم تطبق العقوبة أيضاً على أصحاب الديانات الأخرى ؟  

 

الجريمة هنا هي المجاهرة بالإفطار وليس الإفطار نفسه .. المجاهرة تعني إتيان الفعل عياناً بياناً أمام العامة دون إستتار أو تستر و دون مراعاة أو رعاية ..

 

يشبه الأمر القيام بفعل الزنا في الطريق العام  مع الفارق الشاسع بين الفعلين و توابعهم .. ففعل الزنا مجرم دينياً و أخلاقياً و مجتمعياً لعدة أسباب و أسانيد لا مجال لشرحها هنا ؛ ناهيك عما يؤول إليه فعل الزنا من توابع تستولد ما هو أخطر من الفعل نفسه كإختلاط الأنساب و جرائم العرض و غيرها من الشواهد التي إستدعت تجريم فعل الزنا و النفور منه في مجتمعاتنا العربية ولو كان سراً .. فما بالنا لو تم هذا الفعل أمام العامة ؟ ..و كذا فعل الإفطار الجهري فإن علة تجريمه هي درء الأذى و لا شك أن الجهر بالإفطار أمام الصائمين ما هو إلا إيذاء متعمد لا مبرر منه

 

و هو ما ذكرته المذكرة الإيضاحية للقانون الكويتي رقم 44 لسنة 1968 في شأن المجاهرة بالإفطار في شهر رمضان وما جاء فيها كسند تجريم فعل المجاهرة بالإفطار حيث سيق فيها ما يلي :

" تنص المادة الثانية من الدستور على أن (دين الدولة الإسلام) كما تنص المادة 49 منه على "مراعاة النظام العام واحترام الآداب العامة واجب على جميع سكان الكويت"

وهذان النصان يعبران عن أحاسيس الكويت كبلد إسلامي يتمسك أبناؤه بالدين والقيم الإسلامية.

وما من شك أن المجاهرة بالإفطار في الأماكن العامة يؤذي شعور المسلمين حتى لو كانت هذه المجاهرة ممن له عذر في إفطاره لأن هذا العذر لا يعلمه الناس كافة وإنما هو أمر بين العبد وربه، والمجاهرة به إيذاء لا مبرر له. "

 

و ينص القانون السابق ذكره و الصادر في دولة الكويت على عقوبة الغرامة التي لا تتجاوز مائة دينار و الحبس مدة لا تجاوز شهر أو بإحداهما لمن يجاهر بالإفطار في مكان عام في نهار رمضان و لكل من يجبر أو يحرض أو يساعد على ذلك مع جواز إضافة عقوبة غلق المحل العام الذي يساعد على الفعل مدة لا تتجاوز شهرين .

 

و من الكويت إلى قطر التي ينص قانون عقوباتها رقم 11 لسنة 2004 في المادة 267 منه على عقوبة الحبس الذي لايجاوز ثلاثة أشهر و الغرامة التي لا تزيد على ثلاثة آلاف ريال أو بإحداهما على كل من يجاهر في مكان عام بتناول الأطعمة و المشروبات في نهار رمضان

 

و منها إلى الإمارات العربية المتحدة و ما نصت عليه في قانون عقوباتها الإتحادي رقم 3 لسنة 1987 في المادة 313 منه على عقوبة الحبس أو الغرامة لكل من يجاهر بفعل الإفطار في نهار رمضان أو يساعد عليه

 

ونلاحظ هنا أن تجريم الدول الثلاث السابق ذكرها لفعل الإفطار الجهري ينطبق على الأفراد المقيمين فيها أياً كانت ديانتهم و دون نظر إلى كون مرتكب الفعل مسلماً أم يحتذي ديناً آخر ؛ وهو ما يعد تعارض صارخ مع مبادئ دستورية مستقر عليها في دساتير الدول سالفة الذكر أبسطها المبادئ الكافلة للحرية الشخصية و حرية العقيدة ؛ فكيف يفرض على غير المسلم الإلتزام بشعيرة من شعائر دين غيره لمجرد أن عدم الإلتزام بها يؤذي مشاعر من على غير دينه ؟ و هل يتوقع إن هو إلتزم بها أن يعامل بالمثل ؟

 

بعض الدول التي تبنت تجريم فعل الإفطار الجهري لم تقع تحت طائلة الإخلال بمبدأ حرية العقيدة نسبياً بأن حصرت  تطبيق التجريم على المسلمين دون غيرهم كما في المملكة الأردنية الهاشمية التي ينص قانون العقوبات فيها ( رقم 16 - لسنة 1960 المادة 274 ) على :

" من ينقض الصيام في رمضان علنا يعاقب بالحبس حتى شهر واحد أو بالغرامة حتى خمسة عشر دينارا. "

 

و لفظ " نقض الصيام " هنا لا ينطبق على غير المسلم حيث أن غير المسلم لا يلتزم بالصيام حتى ينقضه و إنما النقض ينطبق فقط على من عليه العهد أي المسلم المكلف طبقاً لدينه بالصيام .

 

و عبر القانون المغربي عن تلك الفكرة بنص أوضح و بألفاظ أكثر دقة بنصه في القانون الجنائي  رقم 413 - لسنة 1959 في المادة 222 منه على :

" كل من عرف باعتناقه الدين الإسلامي، و تجاهر بالإفطار في نهار رمضان، في مكان عمومي، دون عذر شرعي، يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر و غرامة من اثني عشر إلى مائة و عشرين درهما. "

 

و هنا حدد القانون المغربي شخصية من تطبق عليه العقوبة و هو المسلم الذي عرف بإسلامه بل و إستثنى من العقاب من له عذر شرعي يعفيه

 

و نختتم السرد بسلطنة عمان التي نصت في قانونها الجزائي الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 7 - لسنة 1974 على :

" يعاقب بالسجن التكديري وبالغرامة من ريال إلى خمسة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أقدم على نقض الصيام علنا في شهر رمضان من قبل المسلمين بدون عذر شرعي."

 

و النص العماني سالف الذكر يحصر مجال إنطباق العقوبة على المسلمين دون غيرهم و بشرط ألا يكون لهم عذر يعفيهم شرعاً من العقاب في الدنيا كما يعفيهم في الآخرة .

 

مجرد كفالة نسبية أو مصطنعة لمبدأ حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر ؛ و نقول نسبية أو مصطنعة لأن حرية العقيدة تعني في الأصل حرية العلاقة بين العبد وربه لا مجرد حرية الإختيار لدين معين .. و حرية ممارسة الشعائر لها حدين أحدهما الممارسة و الآخر هو الإمتناع و الفرد حر في كليهما فبالتالي لا يجوز حتى مجرد إلزام المسلم بإتيان شعائر دينه إن هو أراد بإرادته الإمتناع و العزوف عنها . 

 

و إن كان مبدأ حرية العقيدة قد صين نسبياً في التشريعات الأخيرة إلا أن مبدأ كفالة الحرية الشخصية يظل في كل الأحوال مهدراً 

 

تشريعات قد تكون غريبة على مسامعنا وقد يكون لأصحابها من الحجج ما يسعفهم و لرافضيها أيضاً ما يدعمهم و لكنه القانون .

 

                                                                       محمد عبيد

باحث قانوني بأكاديمية قوانين الشرق 

لتطوير الممارس العربي

 

لا يمكنك الرد على الموضوع إلا بعد تسجيل دخولك أولا

الردود