بواسطة : محمد عبيد
بتاريخ : 05-02-2015 06:27 PM
المشاهدات : 7524

سبق أن تحدثنا فى المقالتين السابقتين عن تعارض ميعاد بدء اجراءات الانتخابات البرلمانية ومخالفته لنص صريح فى الدستور بما يهدد العملية الانتخابية برمتها ويهدد البرلمان القادم بالزوال أو إستحالة  الوجود فى الأصل لتجاوز الميعاد المقرر فى الدستور لبدء اجراءات العملية الانتخابية و عن الأزمة الدستورية الناشئة عن ذلك لاستحالة تعديل النص الدستورى  دون وجود برلمان واستحالة وجود برلمان بمقتضى النص الدستورى  ثم إنتقلنا إلى محاولة  لإثبات عدم دستورية القانون الموضوعى الحاكم والمنظم لتفاصيل العملية الانتخابية وتكوين البرلمان القادم 

ولو طرحنا افتراضية عصف السلطة التنفيذية بصريح النص الدستورى و تعمد إهداره والسير فى استكمال اجراءات العملية الانتخابية دون النظر إلى الميعاد المحدد فى النص الدستورى السابق ذكره وتم إجراء الانتخابات بالفعل وأراد ذوى الشأن الطعن على دستورية القانون المنظم للعملية الانتخابية و الذى سبق أن أوضحنا فى مقالنا السابق  المواد المعيبة فيه  والمشوبة بعيب  اللادستورية .. وقد سبق أن ذكرنا أيضاً أن البرلمان السابق قد تم حله إذعاناً و إنفاذاً لحكم صادر من المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية القانون المنظم للعملية الانتخابية وبطلان تكوين المجلس من أساسه ؛ وتبرز هنا العديد من التساؤلات لتثير  تلك المسائل العديد من مقاطع النزاع التى تحتاج إلى ترجيح وتقرير و إجابة ؛

 

ومن أهم التساؤلات المثارة في هذا الشأن ؛  لو إفترضنا استقرار الرأي على عدم دستورية قانون الانتخابات البرلمانية  وتحقق شرط المصلحة الشخصية المباشرة كأحد مقتضيات الطعن بعدم الدستورية ؛ فما الإجراءات التي يجب على ذوى الشأن إتباعها للطعن  أمام المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية مواد في قانون الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية ؟

الأصل أن تتبع الإجراءات المقررة للطعن أمام المحكمة الدستورية العليا وفقاً لقانونها ولكن ماذا لو علمنا بأنه قد صدر تعديل على قانون المحكمة الدستورية العليا بتاريخ 1/4/2014 يعدل كافة المدد المنصوص عليها في قانون المحكمة الدستورية العليا إذا كانت المسألة الدستورية المثارة تتعلق بنص أو أكثر في قانونى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية

وماذا لو عرفنا ان التعديل المذكور معيب تشريعياً و دستورياً في حد ذاته ؟

 

التعديل الجديد صدر بالمادة 44 مكرر 1 المضافة بالقانون رقم 26 لسنة 2014 وينص على :

"  استثناء من أحكام المواد (29, 35, 37, 41) من هذا القانون, إذا كانت المسألة الدستورية المثارة تتعلق بنص أو أكثر في قانوني تنظيم الانتخابات الرئاسية أو النيابية, أو اللوائح الصادرة تنفيذا لهما, فتسري بشأنها الأحكام الآتية:

1- يلتزم قلم كتاب المحكمة المختصة أو أمانة الهيئة ذات الاختصاص القضائي في حالة صدور قرار بالإحالة طبقا لنص البند (أ) من المادة (29) من هذا القانون, بإيداع الأوراق قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا خلال ثلاثة أيام من تاريخ صدور قرار الإحالة.

2- تحدد المحكمة المختصة أو الهيئة ذات الاختصاص القضائي لذي الشأن ميعادا لرفع الدعوى الدستورية, طبقا لنص البند (ب) من المادة (29) من هذا القانون, لا يجاوز ثلاثة أيام من تاريخ تصريحها له برفع الدعوى الدستورية.

3- يكون إعلان ذوي الشأن بالدعاوى طبقا لنص المادة (35) من هذا القانون, في مدة لا تجاوز ثلاثة أيام من تاريخ قيدها في السجل المخصص لذلك.

4- يكون إيداع المذكرات والرد والتعقيب عليها طبقا لنص المادة (37) من هذا القانون خلال مدة لا تجاوز في مجموعها ستة أيام, من تاريخ الإعلان بقرار الإحالة أو الدعوى.

5- يكون ميعاد الحضور المقرر بالفقرة الثالثة من المادة (41) من هذا القانون خلال مدة لا تجاوز ثلاثة أيام.

6- تفصل المحكمة في الدعوى الدستورية في ميعاد لا يجاوز خمسة أيام من تاريخ أول جلسة محددة لنظرها أمامه "

 

وإذا نظرنا إلى النص بتمعن سنجد أن التعديل الجديد خفض المدد القانونية المقررة في قانون المحكمة الدستورية العليا إذا كانت المسألة الدستورية المثارة تتعلق بنص أو أكثر في قانوني تنظيم الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية من حيث :

1-    حالة صدور قرار بالإحالة من إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي إثناء نظر إحدى الدعاوى إذا ارتأت عدم دستورية نص في قانون الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية أن تلتزم بإيداع الأوراق قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا خلال ثلاثة أيام من تاريخ صدور قرار الإحالة

 

وهذا خلافاً للمدة المقررة في النص الأصلى  وهي في ميعاد لا يجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ صدور قرار الإحالة

 

2-    حالة دفع أحد الخصوم أثناء نظر دعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الإختصاص القضائى بعدم دستورية نص في قانون الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية  ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدى أن تحدد لمن أثار الدفع مدة ثلاثة أيام من تاريخ تصريحها له برفع الدعوى الدستورية

 

خلافاً للمدة المقررة في الأصل وهى في ميعاد لا يجاوز ثلاثة أشهر من تاريخ التصريح

 

3-    إعلان ذوى الشأن بالدعوى يكون في مدة لا تجاوز ثلاثة أيام من تاريخ قيدها في السجل المخصص لذلك

 

خلافاً للمدة المقررة وهى خمسة عشر يوماً من تاريخ قيدها في السجل

 

4-    إيداع المذكرات والرد والتعقيب يكون خلال مدة لا تجاوز في مجموعها ستة أيام من تاريخ الإعلان بقرار الإحالة

 

خلافاً لأصل المدد المنصوص عليها وهى خمسة عشر يوماً لإيداع المذكرات من تاريخ الإعلان بقرار الإحالة وخمسة عشر يوماً أخرى للرد من تاريخ إنتهاء الخمسة عشر يوماً السابقة وخمسة عشر يوماً أخرى للتعقيب من تاريخ إنتهاء الخمس عشر يوماً المقررة للرد

 

5-    ميعاد حضور ذوى الشأن يكون خلال مدة لا تجاوز ثلاثة أيام

خلافاً للمادة الاصلية  والتي تجعل ميعاد الحضور خمسة عشر يوماً على الأقل و يجوز تقصيرها في حالات الضرورة بأمر رئيس المحكمة  وبناء على طلب ذوى الشأن إلى ما لا يقل عن ثلاثة أيام

 

6-    ميعاد فصل في الدعوى الدستورية لا يجاوز خمسة أيام من تاريخ أول جلسة محددة لنظرها و مجرد التفكير فى النص على تلك المدة هو في حد ذاته من قبيل الوقاحة و ناجم إما عن عدم مراعاة او عدم إدراك لمكنون الدعوى الدستورية و طبيعة و فلسفة عمل القاضى

 

 

 

وإذا طبقنا الفكر التحليلى ونظرنا فيما وراء النص وبتطبيق فلسفة القانون و فحوى  آراء شيوخه وفتاوى قضاته يمكننا رؤية العديد من العيوب التشريعية والمخالفات الدستورية التى شابت النص المذكور بالشكل الذى يهدره و يهلهله دستورياً

فمن العيوب التشريعية نستخلص افتقاد النص المذكور لشرط العمومية والتجريد المفترض فى القاعدة القانونية  إذ خصص   تقصير المدد وحصرها على واقعة محددة بالذات وهى كون المسألة الدستورية المثارة تتعلق بدستورية نص فى قانونى الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية ففرق بذلك بين أطراف الدعوى الدستورية بإختلاف القانون المطعون عليه بعدم الدستورية  

وكذا إخلاله بشرط الدقة وعدم الغموض كأحد الخصائص المشترطة في  القاعدة القانونية  فنجد أن الميعاد المحدد لإيداع المذكرات والرد والتعقيب هو مدة لا تجاوز فى مجموعها ستة أيام ولم يحدد مثلاً طريقة تقسيم تلك المدة وهل يجب مساواة مدة إيداع المذكرات مع مدة الرد ومدة التعقيب أم ترك الأمر للقاضى فى ذلك

 

ومن العيوب التشريعية إلى المخالفات الدستورية نجد النص المذكور مخالفا  لحقى المساواة والتقاضى المنصوص عليهم في الدساتير المصرية المتعاقبة فمن حيث المساواة ؛  التعديل المذكور فرق بين ذوى المراكز القانونية المتكافئة من حيث المدد المقررة لهم بالنظر إلى موضوع الدعوى والتى حددت بالذات فى المسائل الدستورية المثارة بشأن قانونى الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية وفرق بينهم فى تلك المدد عن باقى المدد المقررة لأطراف الدعوى الدستورية على إختلاف موضوعها  

ونجد أنه قد أخل بحق التقاضى فى تقصير المدد القانونية المقررة لأطراف الخصومة  بشكل يصعب على الأطراف تداركه والإلتزام به حيث نجد فى البند الرابع من المادة جعل مجموع المدد المقررة لإيداع المذكرات والرد والتعقيب بما لا يجاوز ستة أيام فلو تم إيداع المذكرات بعد خمسة أيام من تاريخ الإعلان يتبقى للرد والتعقيب يوم واحد فقط

وقد جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن الناس لا يتمايزون فيما بينهم في مجال حقهم في النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي، ولا في نطاق القواعد الإجرائية والموضوعة التي تحكم الخصومات القضائية المتماثلة، ولا في فعالية ضمانة حق الدفاع التي يكفلها الدستور أو المشرع للحقوق التي يدعونها، ولا في اقتضائها وفق مقاييس موحدة عند توافر شروط طلبها، ولا في طرق الطعن التي تنظمها، بل يجب أن يكون للحقوق عينها قواعد محددة سواء في مجال التداعي بشأنها أو الدفاع عنها، أو إستئدائها أو الطعن في الأحكام التي تتعلق بها و بما لا ينطوى على إخلال بأصول القواعد الإجرائية لحق التقاضي، وهو ما يستتبع الإخلال بمبدأ المساواة في مجال حق التقاضي، بما يوقع النص المذكور في حمأة مخالفة أحكام المادتين (40، 68) من الدستور

 

كما أن سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق، سلطة تقديرية، طالما بقيت حركتها محدودة بنطاق الضوابط الدستورية وجوهرها هو التفرقة بين تنظيم الحق وبين المساس به على نحو يهدره كليا أو جزئيا، وكان الحق في التقاضي من الحقوق الدستورية التي يجوز للمشرع أن يتدخل، وفى دائرة سلطته التقديرية، بتنظيمها على نحو يكفل بلوغ الغاية منه، وهو تحقيق العدالة ورد الحقوق إلى أصحابها دون أن يتجاوز هذا التنظيم حدود غايته إلى قيد يعيب الحق الدستوري في أصل مضمونه أو جوهر وجوده و إذا  كان تحديد مدد الطعن على القوانين هو من قبيل استعمال المشرع لسلطته التقديرية في تنظيم الحق في التقاضي فهذا يمنعه من تقصير تلك المدد  بحيث يعوق استعمال الحق أو يجعله مستحيلا أو شبه مستحيل والمدد الجديدة التي  أدخلها التعديل الجديد قصيرة بالشكل الذى يعوق إستعمال الحق وقد تصل إلى جعله مستحيلاً أو شبه مستحيل  

 

وإذا نظرنا إلى التعديل بتمعن اكثر سنجد أنه مخالف كلياً للنظام العام حيث أن  المواعيد والمدد القانونية التي حددها المشرع في قانون المحكمة الدستورية العليا تتصل بالنظام العام  باعتبارها من الأشكال الجوهرية فى التقاضى التى تغيا المشرع بها مصلحة عامة، حتى ينتظم التداعى فى المسائل الدستورية بالإجراءات التى رسمها المشرع  وفقاً لما إستقر عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا

 

نص معيب من كافة الأوجه  ..وما هو إلا باطل يراد به باطل  .. تعجيز متعمد لكل ذى شأن أراد الطعن على دستورية قوانين الانتخابات سواء رئاسية أو برلمانية و و تم إحكام الرئاسية بما لا يسمح بوجود ثغرات يمكن إختراقها أما البرلمانية  تعمد الاستمرار في إجراءها بالمخالفة للدستور ووفق قانون معيب دستوريا وتشريعياً ولن ينتج إلا برلمان باطل و تكوينه مشوه ولنا أن نتصور القوانين التى يمكن أن يصدرها مجلس أساسه قائم على إجراء باطل وقانون باطل  .. لن ينبني عليه إلا باطل

ويثور هنا لوهلة استغراب سريع لا يلبث أن يزول لعدم جدواه في خضم  ما أصبح لا جدوى من استغرابه هذا الزمان : ؛ ألم يكن رئيس المحكمة الدستورية الحالى والتى ستفصل في دستورية قانون الانتخابات البرلمانية هو نفسه من أصدر القانون الطعين عندما كان رئيساً مؤقتاً ومشرعاً معينا ؟ً .. تجسيد حقيقى لقولة : " فيك الخصام و أنت الخصم والحكم  "

 

السؤال المطروح هنا هو : إذا إفترضنا تدارك ذوى الشأن للمدد  المنصوص عليها في تعديل  قانون المحكمة  الدستورية العليا وتمكنهم من الطعن على نصوص قانون الانتخابات البرلمانية المعيب فهل يمكن للمحكمة أن تحكم بعدم دستورية قانون الانتخابات أم أن الدستور الجديد يمنعها من ذلك ؟ وإذا حكمت بعدم دستورية القانون فهل سيتم حل المجلس حينها مثلما حدث بالنسبة للمجلس السابق أم أن الدستور الجديد له رأى آخر ؟

أسئلة مثارة إجابتها في المقال القادم

 

 

لا يمكنك الرد على الموضوع إلا بعد تسجيل دخولك أولا